الخطيب الشربيني

29

مغني المحتاج

وبنقص قيمة المكسرة عن الصحيحة ما لو تساوت قيمتها فلا بطلان . ولو باع دارا وقد ظهر بها معدن ذهب بذهب لم يصح للربا ، لأن المعدن مع العلم به مقصود بالمقابلة ، فلو ظهر بها المعدن بعد الشراء جاز ، لأن المعدن مع الجهل به تابع بالإضافة إلى مقصود الدار والمقابلة بين الذهب والدار خاصة . فإن قيل : لا أثر للجهل بالمفسد في باب الربا . أجيب بأنه لا أثر له في غير التابع . وأما في التابع فقد يتسامح بجهله ، والمعدن من توابع الأرض كالحمل يتبع أمه في البيع وغيره . فإن قيل : قد منعوا بيع ذات لبن بذات لبن . أجيب بأن الشرع جعل اللبن في الضرع كهو في الاناء بخلاف المعدن ، وبأن ذات اللبن المقصود منها اللبن ، والأرض ليس المقصود منها المعدن . وإذا عرفت هذا ففي كلام المصنف أمور ننبه عليها تشحيذا للذهن ، أحدها : قوله : وإذا جمعت الصفقة ، خرج بها ما إذا تعدد ت ، وهو صحيح فيما إذا تعددت بتفصيل الثمن دون ما إذا تعددت بتعدد البائع أو المشتري كما مر . ثانيها : كان ينبغي أن يقول جنسا قبل قوله ربويا كما قدرته في كلامه ، لأنه لو باع ذهبا وفضة بحنطة فقط أو بشعير فقط أو بهما ، وما أشبه ذلك فإنه يصح مع دخوله في الضابط . ثالثها : قوله : واختلف الجنس منهما ليس المراد الجنس الربوي المعتبر وجوده من الجانبين كما يوهمه كلامه فإن ذلك متحد كما مر ، وإنما المراد اختلف جنس المبيع بأن يكون مع الربوي جنس آخر كما يظهر ذلك من مثاله ، فلو عبر بقوله واختلف المبيع جنسا لاستقام . رابعها : كان ينبغي أن يقول أو من أحدهما كما قاله في المحرر ، لأنه لو باع مدا ودرهما بمدين لم يختلف الجنس منهما . قال الزركشي : وهو مراد المصنف بدليل تمثيله بالمد والدرهم في مقابلة المدين ، وقد صرح به في النوع ولا فرق ، فحذفه من الأول لدلالة الثاني عليه . خامسها : كان ينبغي أن يقول أيضا أن يكون الجنس الآخر مقصودا ليخرج التابع للمقصود كما مر . سادسها : تمثيله يقتضي التصوير بما إذا كان المضموم إليه ربويا ، وليس مرادا بل لا فرق في الجنس المضموم إلى الربوي بين أن يكون ربويا أيضا أم لا كما تقدم . سابعها : تمثيله لاختلاف النوع بالصحاح والمكسر ة فيه تجوز ، وإنما هو اختلاف صفة لا اختلاف نوع ، فمراده بالنوع ما ليس بجنس ليشمل النوع والصفة كما تقدم حتى يصح المثال . ثامنها : أطلق البطلان في الصحاح والمكسرة ، ولا بد أن تنقص قيمة المكسر عن الصحيح كما مر . تاسعها : لا يشترط تمييز أحد النوعين عن الآخر ، فلو باع صاعا من ردئ وجيد مختلطين بمثله أو جيد أو ردئ جاز كما مر ، ومثله ما لو خلط الصحاح بالمكسرة . فروع : يجوز بيع الجوز بالجوز واللوز باللوز وزنا وإن اختلف قشرهما ، وسيأتي في ذلك خلاف في السلم إن شاء الله تعالى . ويجوز بيع لب الجوز بلب الجوز ولب اللوز بلب اللوز . فإن قيل : قد منعوا بيع منزوع النوى بمثله لبطلان كماله وهو موجود هنا . أجيب بأن منزوع النوى أسرع فسادا من لبهما كما هو معلوم . ويجوز بيع البيض مع قشره بالبيض كذلك وزنا عند اتحاد الجنس ، فإن اختلفا جاز جزافا . ( ويحرم بيع اللحم ) وما في معناه كالشحم والكبد والقلب والكلية والطحال والالية ( بالحيوان من جنسه ) كبيع لحم ضأن بضأن ، ( وكذا ) يحرم ( بغير جنسه من مأكول ) كبيع لحم البقر بالضأن ولحم السمك بالشاة ولحم الشاة بالبعير ، ( وغيره ) أي غير مأكول كبيع لحم ضأن بحمار ، ( في الأظهر ) لأنه ( ص ) : نهى أن تباع الشاة باللحم رواه الحاكم والبيهقي وقال : إسناده صحيح ، ونهى عن بيع اللحم بالحيوان رواه أبو داود عن سعيد بن المسيب مرسلا ، وأسنده الترمذي عن زيد بن سلمة الساعدي . ومقابل الأظهر الجواز . أما في المأكول وهو مبني على أن اللحوم أجناس ، فبالقياس على بيع اللحم باللحم . وأما في غيره فوجه بأن سبب المنع بيع مال الربا بأصله المشتمل عليه ولم يوجد ذلك هنا . أما بيع الجلد بالحيوان فيصح بعد دبغه بخلافه قبله . خاتمة : يجوز بيع لبن شاة بشاة حلب لبنها ، فإن بقي فيها لبن بقصد حلبه لكثرته أو باع ذات لبن مأكولة بذات لبن كذلك من جنسها لم يصح ، لأن اللبن في الضرع يأخذ قسطا من الثمن بدليل أنه يجب التمر في مقابلته في المصراة بخلاف الآدميات ذوات اللبن ، فقد نقل في البيان عن الشاشي الجواز فيها وفرق بأن لبن الشاة في الضرع له حكم العين ، ولهذا لا يجوز عقد الإجارة عليه بخلاف لبن الآدمية فإن له حكم المنفعة ، ولهذا يجوز عقد الإجارة عليه . ولو باع لبن بقرة بشاة في ضرعها لبن صح لاختلاف الجنس كما مر . أما بيع ذات لبن بغير ذات لبن فصحيح ، وبيع بيض بدجاجة